Newsletter2

كأس العالم فيفا 2026: حوار في كواليس صناعة الإعلان | PR Lines
PR LINES · نشرة بريدية

أهلا بك في نشرتنا البريدية - مقال اليوم هو حوار دار بيننا حول صناعة الإعلان العالمية، وكيف استثمرت الشركات الكبرى مناسبة كأس العالم 2026 كأكبر مسرح إعلاني للوصول إلى ملايين الناس حول العالم، هذه بعض من آرائنا وبعض من نتائج أبحاثنا حول الموضوع، ونتمنى أن تنال إعجابك، ويسرنا أن نسمع رأيك حول الإعلانات التي رأيتها.

نعرف أن المقال طويل بالنسبة للبعض، لذلك حولناه بمساعدة Notebook LM إلى بودكاست بسيط يمكنك الاستماع إليه بدل قراءته، للحفاظ على الأصالة؛ المقال مكتوب كاملا بجهد بشري، ويمكنك اعتبار البودكاست "إخراجا بتصرف" على مسؤولية الذكاء الاصطناعي

ريم

كأس العالم فيفا 2026

أكبر مسرح إعلاني بيوصل لملايين الأشخاص بنفس الوقت، الموسم الذي يمكن اعتباره أحد أغنى المواسم عالميا من ناحية علاقات العامة، الاتصال، التسويق، والإعلانات…

سنلقي نظرة اتصالية على ما جرى في عالم الإعلان لهذا العام، نشارككم آراءنا وملاحظاتنا، وبعض البيانات الرسمية، لنعرف أكثر عن هذه الصناعة الضخمة كيف تعمل وكيف تسير…

ابراهيم

نحن نفكر من وجهة نظر اتصالية، نحلل المواقف والإعلانات والحملات من وجهة نظر بناء السمعة والصورة الذهنية، لا من وجهة نظر تحليل الأسواق، وهذا لا يمنع أن نطرح بعض المعلومات والملاحظات من وجهة نظر البزنس، بالنهاية كل الأنشطة الاتصالية وكل الجهود الرامية لبناء علامة تجارية قوية ورفع قيمتها السوقية تهدف إلى شيء واحد: التفوق في عالم الأعمال، السيطرة على حصة أكبر في السوق، والصمود أمام التغيرات والمنافسة.

ريم

مراقبة مباريات كأس العالم من وجهة نظر خبير الاتصال الذي يحلل الصناعة، من يرى كيف تم العمل في كل زاوية، وما وراء كل عملية، إعلان، فاصل، وحتى تحركات اللاعبين والكاميرات في الملعب، من وجهة النظر هذه، تبدو هذه الرياضة مثيرة للاهتمام أكثر بكثير من متابعة اللاعبين والفرق والأهداف..

استاذ ابراهيم: ما هو أكثر إعلان لفت انتباهك هذا العام؟ ولماذا؟

ابراهيم

بصراحة انتبهت في السينما لأحد إعلانات بيبسي (صاحي الليلة) واستفزني جدا…

أول فكرة كانت: هل بيبسي عندهم (بدجت كت ) حتى عاملين هيك إعلان مافيه فكرة قوية ولا إبداع ولا حتى نغمة أو صوت!!!

ريم

فعلا بالنسبة الي كان مستفز… أكبر موسم بالعالم يمكن، وكل الامكانات الي ورا بيبسي، معقول هاد الي طلع معهم؟ إلا إذا كان الهدف هو الاستفزاز فعلا؟؟

ابراهيم

كتير ممكن… جزء مهم من صناعة الإعلان هي الأيام، وخصوصا في الازدحام الكبير اللي صاير بالمعلومات والإعلانات والضجيج والتنافس لسرقة لحظات من انتباه المتلقي، نسبة كبيرة من الحملات تسعى إلى إثارة ضجة بشكل مقصود، لأنها بالنتيجة جذب انتباه…

ريم

حقيقة فاجأني مستوى الإعلان لأن عندي علاقة عاطفية شوي مع إعلان بيبسي ببطولة كأس العالم بإفريقيا ٢٠١٠ وكان مشارك فيه ميسي مع عدد من النجوم كمان…

كان الإعلان تحفة من ناحية الفن والفكرة والإخراج والتوظيف وغيره، وحصل على إشادة إيجابية لأنه قدر يربط البراند واللعبة بالعمل الاجتماعي بطريقة جدا ذكية… يعني كمان عمل تموضع لبيبسي على أنها شركة لديها وعي عالي بالمسؤولية المجتمعية CSR لدرجة اني من 10 سنوات بستخدم هذا الإعلان في التدريبات الي أقدمها: تدريبات القيادة، والتخطيط الاستراتيجي، وورشات عمل بناء الاستراتيجية، وفريق العمل الفعال، والتواصل وحتى تصميم المبادرات وغيرها…

ابراهيم

فعلا كان إعلان فنان بكل معنى الكلمة، والمصادفة انو بهديك السنة ما كانت بيبسي راعي رسمي، وكمان تفوق إعلان خارج الرعاية على إعلانات الرعاة الرسميين

للأسف إعلان بيبسي هي السنة كان مخيب للآمال مقارنة بالإعلان الأيقوني السابق

لكن الإعلان عم يوصل رسالة مهمة، وتموضع مختلف عن الي براسك، ويمكن لجمهور مختلف، بيبسي عم تقول انها تجاري الجيل الأصغر، وأنها معه في كل الحالات…

ريم

يمكن

يمكن مو أنا الجمهور المستهدف الصح…

لكن الإحصاءات بتقول تقريبا نفس الكلام، إعلان بيبسي وكوكاكولا ماكانوا بالأداء المطلوب، والجمهور وصل لحد الإشباع من ناحية المحتوى المتولد بالذكاء الاصطناعي.

بالاخير الهدف من الإعلان مو انو يعجبني أو يعجبك، الهدف انو يعزز مكانة البراند، ويزيد حصتها من تفاعل الجمهور أمام المنافسين، وهيإعلان بيبسي "Soccer Deserves Pepsi" بمشاركة ديفيد بيكهام جاء في المرتبة 449 من تصنيف EDO الشامل لإعلانات كأس العالم 2026، بمعدل تفاعل أضعف من الوسيط بحوالي 2.7 مرة فقط ، وهو ترتيب متدنٍّ نسبيًا رافقته انتقادات واضحة في الصحافة المتخصصة بسبب الاستخدام اللافت للذكاء الاصطناعي في حملة بيبسي "Football Nation

ابراهيم

ايوا يعني الجمهور بدي يمل من موجة ال AI

ريم

بظن الجمهور مازال يبحث عن الأصالة والابتكار واللمسة الإنسانية الي بتخاطبه، مو بس بيبسي، عنا كمان إعلان كوكاكولا Uncanned Emotions من الإعلانات الي تعتبر فشل تسويقي، حيث اعتمد على لقطات مولّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي وصفتها مجلة Creative Bloq بأنها "سطحية" (inane)، مع انتقادات صريحة لما اعتبره الجمهور والنقاد اختصارًا في الإنتاج على حساب اللمسة الإنسانية الحقيقية.

ابراهيم

هي تقييمات تعتبر كارثية في وسط صناعة الإعلان، ويبدو أن الموضوع مع كوكاكولا مو جديد، هذا الإعلان مو حدث عابر، أشارت DesignRush إلى أن هذا كان العام الثالث على التوالي الذي تتعرض فيه كوكاكولا لانتقادات مشابهة بعد حملتيها في عيدي الميلاد 2024 و2025، اللتين وُصفتا حينها بأنهما "بلا روح" (soulless). وهذا يؤكد أن المشكلة ليست عرضية بل نمط متكرر: الجمهور يبحث بوضوح عن الأصالة والابتكار الإنساني، وكل مرة يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي كبديل عن السرد العاطفي الحقيقي، تكون النتيجة ردة فعل سلبية واضحة.

الجدير بالذكر أن كوكاكولا نفسها أنتجت إعلانًا آخر ضمن نفس الحملة ("Bubbling Up") اعتمد على مشاعر بشرية حقيقية بدلاً من الذكاء الاصطناعي، وحقق استقبالًا أفضل بكثير، مما يؤكد أن المشكلة كانت في التنفيذ (الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي) لا في المنصة الإبداعية نفسها.

ريم

وهنا نعود لموضوع الصورة الذهنية لدى الجمهور، منقدر نقول لو كوكاكولا استمرت على هي الطريقة، فهي عم تعمل وسم لعلامتها التجارية بالسطحية، والتوفير على حساب الروح، وهالشي أكيد رح يأثر سلبا على البراند بشكل عام، وغالبا بسرعة.

الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي كأنك عم تقدم فاكهة بلاستيكية لشخص جوعان، من بعيد شكلها مثالي وألوانها زاهية س من جوا فارغة بمجرد ما يقرب منها، ويحاول يتذوقها. بلا طعم ولا رائحة، ولا أي روح. العقل البشري بيكتشف، الخدعة فورا، وهذا بيولد شعور بالنفور.

الجمهور بعام 2026 وصل لمرحلة التشبع من المحتوى المولد بالـ AI. لما الناس تتابع حدث رياضي هي عم تبحث عن ذروة المشاعر الإنسانية العرق، الدموع، الفرح الجنوني، إقحام الذكاء الاصطناعي بهذه المساحة بخلي العلامة تبدو باهتة ومنفصلة عن الواقع.

ابراهيم

دوما رواية القصة، الناس الحقيقيين، القرب من الحالة الطبيعية هو الي بيربح، طبعا لما ينعمل صح

والدليل على هذا الكلام إعلان نايكي… الي ماكانت سبونسر بالمناسبة، لكنها تفوقت على كل السبونسرز بنتائج الإعلان الخاص فيها

أكبر خبراء الإعلانات كان تعليقهم: ماعاد كونك سبونسر كافي لتحصل على ميزة وتتفوق، حتى لو كنت سبونسر وأخذت وحدة من أغلى نقاط العرض في العالم، وفرصة للوصول لملايين بنفس اللحظة، لكن الوصول لا يعني التأثير… التأثير حكاية تانية تماما… لعبتها نايكي صح، وخسرتها شركات متل كوكاكولا وبيبسي

ريم

"إعلان نايكي الذي تفوق على الجميع من حيث عدد المشاهدات كان يحكي عن تمرد نجوم كرة القدم والمشاهير على نص إعلان تقليدي (Rip the Script)، والسر كان بالتركيز على فكرة التمرد، على اللمسة الإنسانية الفوضوية، يعني النجوم طلعوا عم يتصرفوا بعفوية كبشر بيغلطوا بينفعلوا مو كشخصيات مثالية مبرمجة. وكان ترتيبه الأول من حيث المشاهدات (76 مليون مشاهدة على يوتيوب) وحقق المرتبة 22 في تصنيف EDO للفعالية التلفزيونية." وهو ترتيب يعتبر عاليا بالنسبة لشركة ليست راعية.

ابراهيم

لهيك الفرق بينه وبين إعلان البقية عمل هذا الفرق بالنتائج والآراء، لأنه تحدث مع الناس واقترب منهم، أحضر النجوم الذين يحبونهم وعرضهم في موقف إنساني "متمرد"...

ريم

فعلا حسب التصنيفات العالمية: عدد جيد من المعلنين خارج مساحات الإعلان الرسمية لكأس العالم كانوا هم الفائزين بسباق الاستحواذ على تفاعل الجمهور الإيجابي، منها بانك اوف امريكا واوبر GoGo Squeez الي عملو حملات تفاعلية مع المجتمع متل فعالية بنك اوف امريكا الي خلت المشجعين يعملوا أساور مخصصة الهم وبألوان فريقهم المفضل، النشاط على بساطته عمل استقطاب كتير كبير وردات فعل عالية فعلا، واوبر عملت حملة طريفة وزعت فيها مناديل عليها شعارها مع عبارة "نأسف لخسارة فريقك"،و GoGo Squeez الي رفضت الفيفا انهم يوزعو منتجاتهم في الملاعب، عملوا فعاليات متعددة حول بوابات الدخول ليستفيدوا من المشكلة ويحولوا القيود الرسمية إلى فرصة وحدث تسويقي.

ابراهيم

شو أهمية التصنيفات العالمية الي عم نحكي عنها؟

ريم

كأس العالم ليست صناعة رياضية، هي صناعة إعلانية بامتياز… في الها تصنيفات وتحليلات وتدفع عليها مبالغ خيالية…

لدينا بعض المواقع والمنصات العالمية الي بتعمل متابعة monitoring و تقييم وتصنيف ranking للإعلانات أول بأول، في كل صناعة، في كل فترة زمنية، في كل حدث وغيرها…

هي النتائج برأيي هي الحكم على نجاح حملة بالنهاية، سواء عجبتنا أو لا، السؤال هو هل حققت أهداف من ناحية الاستحواذ على السوق وزيادة القيمة المالية

بالنهاية أنا كشركة علاقات عامة، لما بفكر بإعلان، أو بخطط لحملة، أو ببني سيناريو إبداعي، القياس النهائي الي عم أسعى له هو هذا:

كم سيزيد تفاعل الجمهور مع العلامة التجارية (تفاعل وليس وصول)

كم من هذا التفاعل إيجابي؟

وكم ستزيد مبيعات العلامة التجارية؟ أو قيمتها السوقية؟ أو الزيارات لمتاجرها ونقاط بيعها؟؟

بالاخير.. مقابل المبلغ الذي سيدفعه العميل… ما هو العائد الذي سيربحه؟؟

خلينا نناقش بعض النتائج المثيرة للاهتمام لأنواع مختلفة من الإعلانات والرسائل الي تم العمل عليها خلال كأس العالم:

تجربة المشجعين نفسها كانت أول موضوع عمل ضجة: الفيفا حصلت على كم كبير جدا من الاعتراضات والنقد السلبي لفرضها استراحة الترطيب بالمباريات، وصل الأمر للسخرية والتعبير انو فيفا عم تقلل من قيمة كرة القدم، بهدف تستغل مساحة إعلانية أكبر تأجرها للمعلنين، صار كتير انتقادات على طمع الفيفا وتحويلها للرياضة إلى تجارة!

الي صار انو فوكس (الناقل الرسمي) قامت بعرض الإعلانات ملء الشاشة بفترات الاستراحة على حساب اللقطات من الملعب، وصار حتى تأخير ببعض الفواصل ما تسبب بضياع بعض لحظات استئناف اللعب على المتفرجين (الي هنن كمان دافعين بالمناسبة ليتفرجو)

بينما شركة تيليموندو المكسيكية حصلت على ردود فعل ايجابية عالية جدا وتقدير كبير لأنها رفضت عرض إعلانات ملء الشاشة أثناء الاستراحات، وقررت تبقى عم تنقل لقطات من الملعب مباشرة.

ابراهيم

يعني الرسالة الي وصلت من فيفا: القيمة الأعلى لدينا لأموال الإعلانات، ويأتي الجمهور وولاؤه وجودة اللعبة في المستوى الثاني… عملت تموضع brand positioning على أنها مؤسسة تسعى للربح أولا، القيمة الأعلى لديها هي المال

بينما رسالة شركة تيليموندو تقول: قيمة الجمهور لدينا أعلى، وبالتالي المباراة قيمتها أعلى لأنها أكثر قيمة لدى جمهورنا.

ريم

صحيح… بس إذا فكرنا فيها بطريقة مختلفة… طريقة صناعة المال ولا مؤاخذة… الفيفا وفوكس كان شغلهم صح، عمليا مين جمهور الفيفا الي لازم تعمل على إرضاؤه؟

جمهور الفيفا وفوكس ليس المتفرجين في بيوتهم وعلى الشاشات… جمهور الفيفا هو الصناعات الضخمة والشركات العملاقة التي تمول بإعلاناتها وشراكاتها أنشطة الفيفا… بالتالي الرسالة صحيحة: بالنسبة لهذا الجمهور.. المكاسب المالية أولا ولو تعرضنا للانتقاد كرمالكم… بالتالي اذا فكرنا بالموضوع: المحرك الاتصالي للفيفا مختلف عن شركة البث… شريحة الجمهور الأساسية مختلفة.. الهدف الاتصالي مختلف… بالتالي الرسائل مختلفة ولو ماعجبت الجماهير التانية، لكن الشغل من ناحية البزنس صح، بينما منقدر نقول انو تيليموندو خاطرت بمكاسبها وولاء المعلنين…

ابراهيم

من وجهة نظر الأعمال، صحيح جدا… لكن هنا تيليموندو لعبتها صح، عرضت إعلانات جزئية، أوفت بالتزاماتها للمعلنين وبنفس الوقت حققت مكاسب استراتيجية من بناء الولاء واستمرار المتفرجين أمام الشاشة، من وجهة نظر السمعة… التصرفات الصغيرة المتراكمة عم تأثر على سمعة الفيفا… صحيح حجم الصناعة والمكاسب وراها أكبر بكتير من انو تتأثر على المدى القريب بهي المخاطر على السمعة.. لكن من وجهة نظر السمعة.. ماعم يلعبو صح

ريم

اوافقك الرأي، وهون في حادثة تانية أثارت جدل واسع، حملة إعلانية صارت "بالصدفة" متل ماعم يقولو… نوع من ال Ambush marketing يعني مقلب تسويقي اكلته الفيفا.

الفيفا طالعت سياسة "ملاعب نظيفة" وقصدهم فيها ما يكون الملعب نفسه له أي ارتباطات بشركات من غير الرعاة الرسميين، حتى ما يصير لهي الشركات إعلان مجاني ولحماية حقوق المعلنين…

بس الاشكالية انو شركة متل ليفايز عندها عقد اكتر من عشرين سنة مع الفيفا، بقيمة 390 مليون دولار، لتسمية ملعب "ليفايز ستاديوم" وهي السنة ليفايز ليست من الرعاة، الفيفا غطت لوغو ليفايز على واجهة الملعب، وغيرت اسمه رسميا….

العرف السائد بهيك مواقف هو أنه الشركة تطلع بيان قانوني غاضب أو حتى ترفع قضية قانونية، بس فريق ليفايز عمل مناورة عبقرية. ليفايز أدركت انه هذه الرقابة هي منصة إعلان مجانية، وقدرت تركب الموجة صح وتستغل هاد الحظر والتغطية لاسمها بطريقة رهيبة، عملت انتشار فيروسي ورفعت قيمة العلامة التجارية بدون ما تدفع أي رسوم رعاية، بالعكس استفادت من منع اسمها من الظهور…

ابراهيم

استغلوا تأثير سترايسند، هذا المبدأ السيكولوجي يعني أنه أي محاولة علنية للرقابة أو إخفاء معلومة ستؤدي بشكل عكسي للفت انتباه هائل لها… وهاد الي صار

ريم

البداية كانت من الصور الي انتشرت على الانترنت مع اسم ليفايز مغطى، واستغلتها الشركة بانو غطت اللوغو ببعض متاجرها العالمية، وغيرت صورة البروفايل على السوشال ميديا للوغو المغطى، ونشرت حملة سريعة ساخرة بعنوان "أهلا بكم في الاستاد الي حذفته الرقابة" Welcoming the world to the beautiful [redacted] stadium! بما معناه…

الحملة صار معها تفاعل هائل وحصدت مشاهدات كتير، وصار تدفق على محلات ليفايز، وصار كتير انتقادات من المتابعين والجماهير للفيفا على هذا الموضوع.

الأرقام بتقول:

صورة اللوغو المغطى بحملة ليفايز عملت اكتر من 500 مليون انطباع، زاد ذكر العلامة التجارية 44%، وتضاعف التفاعل 400% ، وتفوقت الشركة على شركات كبيرة راعية متل اديداس كوكاكولا وماكدونالدز، ما وقفت هون، عملوا تيشيرت مستوحى من اللوغو المغطى بالستاد Nobody’s Gonna Know Logo Tee,.

كلفة التيشيرت 35$ وصار عليه اقبال كبير، وهاد تكتيك مهم جدا لتحويل لحظات الانتشار الفيروسي إلى منتجات مربحة، الشطارة انو تعمل تراكم طبقات من الأرباح.

والمعلومة الأهم، الي دوما منركز عليها، لما تبني براند وتصرف عليه، أنت عم تبني قيمة سوقية إضافية للشركة، مو مجرد اسم وشعار وألوان، بهي الحملة سعر سهم ليفايز زاد من 30 ل 32 دولار بفترة قصيرة جدا، وهامش أرباحها وصل لأكثر من 61%

ابراهيم

واو

بس معقول برأيك، فيفا غلطت هيك غلطة؟ ماكان فيهم يغطو اللوغو بشكل أفضل؟ مو ممكن تكون حملة مخططة ومدفوع ثمنها من ليفايز بالاتفاق مع الفيفا؟ خصوصا انو لحقو يعملوا القمصان بهي السرعة ويتم إنتاجها وشحنها وبيعها؟ أو كانت مخازنهم جاهزة بالقمصان؟

ريم

بالنسبة للقمصان، هي ماكانت بس فكرة تسويقية بدون التعاون العالي بين الأقسام التانية، اعتمدت ليفايز على مرونة سلسلة التوريد الحديثة ونموذج الطباعة عند الطلب، فرق إدارة الأزمات عندها أطر جاهزة وموافقات مسبقة للتحرك أول ما تلتقط الفرصة، بمجرد طلعت الفكرة، تم تصميم القميص رقميا وأطلقوا صفحة الطلب المسبق…

ابراهيم

آه، يعني باعوا قبل ما يطبعوا أي قميص؟

ريم

بالضبط، المعلومات الي توفرت من الطلبات المسبقة عن الألوان والمقاسات هي اللي وجهت المصانع المحلية الصغيرة تطبع العدد المطلوب وتشحنه بسرعة، ما في أي مخاطرة بتخزين بضاعة، وهامش الربح بيكون مرتفع جدا.

أما بالنسبة لنظرية المؤامرة والاتفاق مع الفيفا، كلشي ممكن، بس يبدو هالمرة انو هي غلطة تشغيلية سخيفة للفيفا، أولا لأنها مو أول سنة بيصير هيك، وتانيا لأن في أربع براندات تعرضت لهي التغطية، ليفايز وهاينز وبيتس وجيليت (اضطرت الفيفا لتغطية شعار جيليت بالشريط اللاصق على اكثر من 64 ألف كرسي بالمدرجات)

هاينز ايضا استغلت تغطية شعارها على عبوات توزيع الكاتشب داخل مناطق الملاعب بانها أطلقت حملة "كاتشب الملعب غير الرسمي" وعملت عبوات كتشب مع حذف الشعار وعملت تفاعل فيروسي مع الجمهور.

وشركة بيتس للسماعات: استغلت واقعة تغطية شعار سماعات اللاعب الألماني جمال موزيالا بالشريط اللاصق لتحويلها إلى لحظة تشويقية لمنتج جديد، بمشاركة جماهيرية عبر وسائل التواصل

وهاد كله بسبب ذكاء وسرعة بديهة فرق العمل الي عم تشتغل لهي البراندات وقدرتها على استغلال اللحظة بأسرع شكل ممكن وبطرق إبداعية حولت الأزمة إلى فرصة، وهاد أفضل تعريف لإدارة الأزمات بالمؤسسات، لا ندير الأزمات لنتلافى الوضع السيء فقط، إنما نحولها إلى فرصة.

ابراهيم

هذا بيوضح، إنه المرونة والسرعة هي السلاح الأقوى. هلأ غرف عمليات العلاقات العامة ما عاد تعتمد بس على الجدولة والخطط، الحملات الاستراتيجية الناجحة بتتطلب رصد لحظي ومتابعة دقيقة وسرعة بديهة.

عمليا الحملات بهاد النوع من الأجواء مثل المشي على خيط مشدود فوق وادي، الحذر كتير مهم لنكون رشيقين ونتحرك بسرعة وخفة لالتقاط الترند، وبنفس الوقت حذرين لتجنب كوارث.

ريم

صحيح والمثال الي بيخطرلي عن هالموضوع هو ريسكونا، الي عملت إعلان غاية في العبقرية والنجاح، وإعلان آخر كان له أثر سلبي كبير غير محسوب…

إعلان ريكسونا في الملعب برأيي كان واحد من أذكى وأبسط الإعلانات الي ممكن نشوفها، ببساطة علامة ريكسونا مطبوعة على قمصان الحكم الرابع الي يحمل لوحة تبديل اللاعبين بمكان واضح جدا استخدام ريكسونا فيه: تحت الإبط، كل مرة بدو يصير تبديل لاعبين، الحكم بيرفع ايديه وعلامة ريكسونا مقروءة على قميص الشخص الي رافع ايديه بسياقها الطبيعي، إضافة لوجودها على على لوحة التبديل…

هاد إعلان عبقري برأيي لأنه استغل الاستخدام الطبيعي ووضع المنتج بظروف حقيقية وربط البراند بأهمية استخدامها.

لكن ريسكونا وقعت بالفخ في حملة أخرى صار عليها ضجة كبيرة جدا، وأغلبها للأسف ضجة سلبية، من وجهة نظر بناء السمعة كان برأيي غلط إطلاق هيك حملة لأنها مضرة باسم البراند أكثر من الفائدة الي ممكن يعملها الضجيج حواليها، عم احكي عن استخدام ريكسونا لمشجع الكونغو ووقفته الشهيرة بالمونديالات السابقة ليكون وجه لإعلان ريكسونا، وهالشي للأسف ذكر الناس وفتح دفاتر قديمة عن ممارسات تاريخية مسيئة لشعب الكونغو تحديدا من الشركة الأم، هي أمور منحاول نمحيها من الذاكرة وليس نحييها من وجهة نظر علاقات العامة.

ابراهيم

هون بتجي أهمية الوعي بالسياق الكامل، والنظرة الاستراتيجية للأمور، ماعاد يكفي يكون فريق التسويق نشيط ويعمل إعلان سريع يواكب الترند، لازم تكون النظرة الاستراتيجية موجودة وحاضرة لفهم السياق والأثر المستقبلي.

طبعا من الإعلانات الخفيفة اللذيذة الي استغلت الترند، إعلان Huggies الي استخدمت فيه صورة البانيو الأزرق فقط لا غير، صورة بانيو أطفال وعبارة "كبروا بسرعة" في إشارة للحادثة الشهيرة بين ليونيل ميسي ولمين يامال، وغيرها كتير.

ابراهيم

فعلا إعلانات ذكية جدا رغم بساطتها، أو فينا نقول كانت العبقرية هي البساطة، وأكيد منعرف كم اخذت من الوقت والجهد حتى طلعت حملات بسيطة وذكية هيك… الوصول لهي البساطة هو بغاية التعقيد في عالم التسويق المتسارع.

ريم

سؤال يتردد باستمرار استاذ ابراهيم، شركات كبيرة وضخمة متل كوكاكولا وبيبسي وماكدوالدز، مرسيديس وتويوتا، عم تكبر وتتوسع، ومافي حدا بالعالم ما بيعرف منتجاتهم، مو بس أعلنوا أغلى المساحات الإعلانية، كمان عملوا أكثر من حملة وأكثر من إعلان، وحملاتهم بدأت قبل المونديال واستمرت بعده، وبعض الشركات اشترت حقوق رعاية لسنوات قادمة وبمبالغ خيالية… السؤال: هل هي الشركات بحاجة للإعلان لتبيع؟ لتربح أو تتوسع؟ غالبا لا… طيب ليش صرف كل هي الموارد والأموال واستعراض القوة لبراندات فعلا ما بحاجة إلى إعلان؟ شو الهدف من إعلانات هي الشركات؟

ابراهيم

هذا الخطأ الي يقع فيه أصحاب الأعمال بتصورهم أنه بمجرد بدأت عجلة التسويق والمبيعات بالعمل يمكننا تخفيف المصاريف والتركيز على الأعمال، وخلص الناس عرفتنا وبدأت تشتري وتتبنى المنتج…

عجلة الاتصال لا يمكن أن تتوقف، بمجرد أن تبطئ قليلا، ستفقد مكانك في السوق، هي الشركات عم تستثمر بالقيمة المالية للبراند، ماعم تدفع لتخبر الناس أنها موجودة، إنما عم تدفع للسيطرة على مساحة ذهنية أكبر عند المستهلك وتأكد هيمنتها وسيادتها.

انتي بتعرفي انو أثناء التقييم المالي للشركات، تحسب قيمة البراند كما تحسب الأصول المادية، وأحيانا اسم براند أو قيمتها السوقية تفوق ممتلكاتها الثانية، يعني هي الشركات لا تعلن لتبيع أو تشتهر، هي الشركات تعلن باستمرار وتعمل على حملات ضخمة كجزء من بناء وصيانة أصولها المالية الي جزء منها أصول معنوية (البراند والسمعة) وأصول رقمية (الحضور والوصول والتأثير) وبالتالي رفع قيمتها السوقية.

الموضوع متل أسماك القرش، الي لازم تضل عم تسبح حتى ما تختنق، تيار الماء لازم يظل يتدفق عبر خياشيمها لتبقى عايشة، الشركات العملاقة هي أسماك القرش بمحيط الأعمال، هن ماعم يدفعوا الملايين لنتعرف عليهم إنما فعليا عم يدفعوا إيجار المساحة اللي محتلينها داخل العقل الباطن للمستقبل، ومجرد ما يوقفوا الدفع والسباحة بيجي منافس ثاني بيستأجر هالمساحة، وبيطردهم ببطء من الذاكرة.

لما الشركات الكبيرة تتوقف أو حتى تبطئ قليلا بعجلتها الاتصالية فيه عم تعطي رسالة سلبية للجمهور، والمستثمرين، والشركاء، أنه في تراجع مالي، أو أزمة سيولة، والعقل البشري بينسى بسرعة، والمنافسين جاهزين يملؤوا الفراغ بلحظة، التساهل بهذه المساحة ممكن يمحو عقود من الهيمنة بأشهر قليلة،

سباق التطور، والهيمنة ما بيعترف بالرصيد التاريخي إلا إذا تجدد باستمرار، بناء سمعة صلبة بياخد عقود بس الآليات النفسية للمستهلكين كفيلة تخلي هالسمعة تتلاشى وتنهار بسرعة مذهلة إذا وقفت عجلة التأثير.

ريم

فعلا… قيمة الاسم والسمعة قد تتفوق على الأصول المادية، أو قد تدمرها بكل سهولة لو تساهلنا معها، متل ما شفنا كيف سقطت إعلانات الذكاء الاصطناعي الفارهة والمكلفة لمجرد افتقارها للروح والأصالة. وكيف انتصرت اللمسة الإنسانية المتمردة والمرونة واللفتات السريعة، وهالشي بيخلينا نتساءل أكثر عن مستقبل الإعلان وصناعة كرة القدم على حد سواء، وكيف رح تتطور الاستراتيجيات بالسنوات القادمة.

شكرا استاذ ابراهيم على الحوار الشيق، استمتعت جدا بهذه الورشة، واشكر فريق PR Lines على مساهمته بالأمثلة والتعليقات وجمع المعلومات وتدقيقها لإخراج المقالة بأفضل شكل ممكن.

شكرا لكم لقراءة المقال حتى النهاية، أو الاستماع إليه، ونلقاكم في عدد جديد.

PR LINES
دبي، الإمارات العربية المتحدة

repution iq

Reputation IQ™ | PR Lines
PR LINES
تقييم النضج المؤسسي

Reputation IQ

مؤشر السمعة المؤسسية

سيقودك هذا التقييم عبر مجموعة من الأسئلة التي تقيس الجوانب الأكثر تأثيرًا في السمعة المؤسسية. بعد الانتهاء، ستحصل على تقرير شامل يتضمن درجة Reputation IQ، وتحليلًا لنقاط القوة وفرص التحسين، وخارطة طريق عملية لتعزيز سمعة مؤسستك.

خطوة أخيرة

أدخل بياناتك ليصلك تقرير Reputation IQ الكامل الخاص بمؤسستك على بريدك الإلكتروني.

0/100

توزيع المحاور الخمسة
تحليل المحاور
أبرز نقاط القوة
أبرز الفجوات
الأولويات الاستراتيجية

خارطة طريق تحسين السمعة المؤسسية

REPUTATION ROADMAP — Reputation IQ™

الدرجة النهائية

—/100

أهم 3 نقاط قوة

    أهم 3 فجوات

      أول 5 أولويات تنفيذية

        احجز استشارة مجانية ←

        reputation1

        PR Lines

        Reputation IQ

        تقييم شامل للسمعة المؤسسية والجاهزية الاتصالية

        البعد 1 من 5 0%
        Reputation IQ
        0

        نتيجة الأبعاد الرئيسية

        التوصيات الأولية

        reputation

        ```

        PR V2

        PR Lines Reputation IQ
        جارٍ إرسال تقريرك...
        PR
        LINES
        نسخة دبي التنفيذية

        PR Lines
        Reputation IQ

        نظام ذكاء تنفيذي يكشف قوة السمعة، النفوذ، الثقة، وجاهزية مؤسستك للنمو في أسواق دبي والخليج.

        البيانات الأساسية معايرة المؤسسة
        36 سؤالاً دقيقاً 5 أبعاد استراتيجية 5–7 دقائق

        PR
        LINES
        PR LINES REPUTATION IQ BRIEF

        REPUTATION SCORE / 100
        SCORE
        الأبعاد الخمسة
        CRISIS EXPOSURE
        REPUTATION GAP
        نقاط القوة
        أولويات التطوير
        التوصيات الفورية
        السياق التنافسي · دبي ٢ ٢٦

        ✓ تم إرسال تقريرك إلى بريدك الإلكتروني بنجاح

        PR LINES · NEXT STEP

        هذا التقرير هو البداية — ليس النهاية

        تقرير سمعة متعمق

        خارطة طريق 90 يوماً

        جلسة استراتيجية خاصة

        مهندسو الثقة · صانعو السمعة · دبي
        صورة الكاتب إبراهيم حواري

        Newsletter

        PR LINES · نشرة بريدية أثر العدد التأسيسي

        لماذا بدأنا من هنا؟

        رحلة في الأفكار التي قادت إلى إطلاق نشرتنا البريدية، ولماذا اخترنا أن نبدأ بالحوار قبل أن نبدأ بالتسويق، وبالقيمة قبل أن نبدأ بالأرقام.

        PR LINES يوليو 2026
        عن هذا العدد

        تولد بعض النشرات لأن لديها جمهورًا كبيرًا، وتولد أخرى لأن لديها ما يستحق أن يُقال.

        اخترنا أن ننتمي إلى الفئة الثانية.

        هذا هو العدد التأسيسي من أثر. ليس عددًا للتعريف بشركة PR Lines، ولا نشرة تسويقية لما نقدمه، بل محاولة للإجابة عن سؤال رافقنا منذ اللحظة الأولى:

        لماذا تستحق هذه النشرة أن تكون جزءًا من بريدك الوارد؟

        ربما كان بإمكاننا أن نبدأ مباشرة بمشاركة الأفكار والتجارب، وأن نؤجل الحديث عن سبب إطلاق هذه النشرة إلى عدد لاحق. لكننا رأينا أن البداية تستحق أن تُروى، لأن معرفة لماذا نكتب لا تقل أهمية عن معرفة ماذا نكتب.

        في الصفحات القادمة ستقرأ خمس مقالات، لكل منها زاوية مختلفة، لكنها تنتمي إلى الحكاية نفسها.

        سنبدأ بالسؤال الذي دفعنا إلى إطلاق النشرة قبل أن نبني جمهورًا كبيرًا. ثم نشارك تجربة شخصية غيّرت نظرتنا إلى الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي. بعد ذلك نكشف لماذا اخترنا أن تتحدث المؤسسة بأصوات متعددة بدلًا من الاعتماد على قلم واحد، ثم نتأمل في العلاقة بين الإنسان والتقنية، قبل أن نختم بالسؤال الذي نراه أساس كل اتصال ناجح:

        لمن نكتب أصلًا؟

        لن تجد في هذا العدد وصفات جاهزة، ولا ادعاءً بامتلاك الحقيقة، بل أفكارًا خرجت من مشاريع حقيقية، وتجارب شكّلت طريقة عملنا، وأسئلة ما زالت تدفعنا إلى التعلم.

        إذا خرجت من هذه الصفحات بفكرة تستحق التأمل، أو بسؤال يرافقك بعد أن تطوي آخر صفحة، أو حتى باختلاف يفتح بابًا لحوار أفضل، فسنعتبر أن هذا العدد حقق الغاية التي كُتب من أجلها.

        افتتاحية المدير

        إلى السباق

        صورة الكاتب إبراهيم حواري
        Ibrahim Hawari لينكدإن

        بعد الانتهاء من السباق الشهير بين الأرنب والسلحفاة، اقترب أحد الصحفيين من السلحفاة الفائزة وسألها: هل كنت تتوقعين الفوز في هذا السباق؟

        فأجابته: أي سباق !!؟

        نعم عزيزي، السلحفاة لم تكن تدري أنها في سباق، فقط… كانت تسير نحو هدفها بهدوء، لكن الأرنب ملك السرعة الاستعراضي الذي كان يملك كل مقومات الفوز، أراد اكتساب نصر سهل من منافس بطيء مقارنة بسرعته، لكنه لم يحترم الوقت فخسر السباق.

        كم مرة وجدنا أنفسنا في سباق لم نعتزم خوضه؟

        نحاول أن نثبت تفوقنا في مجال عملنا، من خلال الأثر أو العائد المادي أو النفوذ أو التفوق في استخدام الأدوات الحديثة…

        يصبح السباق محمومًا مع سيول من الأدوات الحديثة والابداعات التقنية وكميات المحتوى التي تهاجم حواس الجمهور والخوارزميات التي لا تشبع.

        تجد نفسك تستنزف مواردك في محاولة مجاراة السباق القائم في الخارج، مع التركيز على عملك الأساسي والقيمة التي توفرها لجمهورك ونقاط قوتك التي تميزك فعلًا عن الآخرين…

        كلنا وجدنا أنفسنا فجأة في خضم هذا السباق المحموم… من ينتج المزيد من المحتوى… من يستخدم المزيد من الأدوات… من يقفز من تريند إلى آخر…

        صناعة المحتوى، البودكاست، التحول الرقمي، رقمنة العمليات، إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الأعمال، التوأمة الرقمية، إيجنت إيه آي… بوت، روبوت…

        المهم أن تلحق الموجة وإلا ستكون الخاسر، ستكون الحلقة الأضعف في عالم الأعمال…

        وبدأنا نشعر بآثار هذا السباق المحموم، السلبية والإيجابية معًا… نعم تحسنت الإنتاجية وزادت معدلات أداء الأفراد وفرق العمل… نعم أصبح الجميع قادرين على المزيد من إغراق السوق بالمحتوى… لكن… زاد "تسطيح المحتوى" وتشابهه… وقلّ التمايز الحقيقي في الأعمال والنتائج… صغرت الفجوة بين الخبراء والمبتدئين، ربما على حساب جودة المخرجات وأصالة الإبداع… وغيرها.

        كل هذا… ونحن نسبح في محيط المستخدمين وليس الصانعين لهذه الموجات… ونعتقد أننا فككنا شيفرة التفوق باستخدام المزيد من الأدوات وعملاء الذكاء الاصطناعي… لكننا فقط نعيد استخدام الخط الأخير من حلقة التطور الهائل في هذه المجالات…

        في هذا التوقيت المحموم… قررنا إصدار نشرة (أثر) لنتحدث، بكلماتنا الأصيلة وأقلامنا (أو كيبورداتنا) بعجرها وبجرها… وأن نتحاور معكم في مساحة أسبوعية نأخذ فيها جميعنا نفسًا عميقًا… ونقرر: هل علينا فعلًا أن نكون في هذا السباق؟ بكل تفاصيله؟ هل هذه الحلبة المناسبة لنا؟ هل هذا السباق هو ما سيبرز قوتنا أو يمنحنا قوة جديدة؟ أم هو هدر لقوانا وتشتيت لمواردنا.

        لا تفهمني خطأ… لست ضد التطور والتكنولوجيا… ونحن من أوائل دعاة التحول الرقمي في الأعمال والشركات مع عملائنا… ليس بهدف التحول الرقمي نفسه… بل عندما يخدم هدفًا أكبر ويمنح الشركة قوة ونفوذًا في مجالها… وهذا ما ستسمعون وتقرؤون عنه في الأعداد القادمة عند حديثي عن التحول الرقمي والحكومات الذكية وحكومة الذكاء الاصطناعي وغيرها…

        إلى السباق….

        ٠١
        من غرفة التفكير

        بزنس موديل النشرات البريدية... بالمقلوب!

        صورة الكاتبة Reem Srour
        Reem Srour

        هناك طريقة مألوفة لإطلاق النشرات البريدية.

        وطريقتنا لم تكن منها.

        غالبًا ما تبدأ الحكاية بصناعة المحتوى، ثم الانتظار. يُراقب عدد المشتركين، وتُختبر العناوين، وتُراجع معدلات الفتح، وتُعاد صياغة النصوص بما يرضي الخوارزميات. وبعد أشهر، وربما سنوات، يصبح لدى الكاتب جمهور كبير يمنحه الثقة ليبدأ أخيرًا بمشاركة الأفكار التي كان يؤمن بها منذ البداية.

        قررنا أن نبدأ من النهاية.

        قبل أن نتحدث عن السبب، لا بد من الاعتراف بحقيقة مهمة: النشرات البريدية ليست مجرد وسيلة لنشر المحتوى، بل واحدة من أكثر نماذج الاتصال قدرة على بناء الثقة على المدى الطويل. ولهذا لا يزال البريد الإلكتروني، وفق تقارير Litmus، من أكثر القنوات فاعلية في بناء علاقة مستمرة بين المؤسسة وقرائها، لأنه يمنحها قناة تواصل لا تتحكم فيها الخوارزميات ولا تتغير قواعدها كل يوم.

        ولهذا أيضًا، وثّق Inbox Collective عشرات التجارب التي بدأت بنشرات صغيرة، ثم تحولت مع الوقت إلى مجتمعات مهنية، وأعمال مستدامة، ومنصات للتأثير الفكري.

        هذا النموذج ناجح.

        ولا نختلف معه.

        لكن سؤالًا واحدًا ظل يرافقنا منذ البداية:

        هل يجب أن نؤجل مشاركة أفضل ما لدينا حتى يزداد عدد المشتركين؟

        بالنسبة لنا، كانت الإجابة واضحة:

        لا.

        إذا كانت لدينا خبرات نعتقد أنها تستحق المشاركة، فلماذا نؤجلها؟ وإذا كنا نؤمن بقيمة ما تعلمناه، فلماذا يصبح حجم القائمة البريدية هو الذي يقرر متى يحق لنا أن نتحدث؟

        لهذا أطلقنا هذه النشرة قبل أن نبني جمهورًا كبيرًا.

        لم نفعل ذلك لأننا نستخف بأهمية بناء المجتمع، بل لأننا نؤمن أن المجتمع الحقيقي لا يُبنى أولًا بالأرقام، بل بالأفكار التي تجعل الناس يعودون مرة بعد أخرى.

        هناك سبب آخر لا يقل أهمية.

        نحن لا ننظر إلى القارئ باعتباره رقمًا جديدًا في قاعدة بيانات، ولا خطوة في مسار تسويقي، ولا شخصًا نأمل أن يتحول يومًا إلى عميل.

        ننظر إليه باعتباره شريكًا في الحوار.

        شخصًا يستحق أن نقدم له أفضل ما لدينا اليوم، لا بعد أن تسمح لنا الخوارزميات بذلك.

        ولهذا جاءت هذه النشرة مختلفة.

        في PR Lines نؤمن أن الإبداع لا يبدأ عندما نتقن تقليد النماذج الناجحة، بل عندما نسأل إن كانت هذه النماذج هي الأنسب لنا أصلًا.

        وإذا كان الآخرون يبدأون ببناء الجمهور ثم ينتقلون إلى مشاركة خبراتهم، فقد اخترنا أن نعكس المعادلة.

        لن تجد في هذه الصفحات محتوى كُتب لإرضاء محركات البحث، ولا نصوصًا صُممت لمطاردة التفاعل، ولا أفكارًا كُتبت لأنها رائجة هذا الأسبوع.

        ستجد تجارب حقيقية، وأخطاء تعلمنا منها، وأسئلة ما زلنا نحاول الإجابة عنها، لأننا نؤمن أن الخبرة لا تنمو حين تُخفى، بل حين تُشارك.

        قد تبدو هذه البداية غير مألوفة.

        لكنها بالنسبة لنا كانت البداية الوحيدة الصادقة.

        وربما لهذا السبب، كان أول قرار اتخذناه ألا نسأل:

        كيف نبني جمهورًا؟

        بل أن نسأل:

        ما الذي يستحق أن نكتبه لهذا الجمهور؟

        ولعل هذا السؤال هو ما قادنا إلى سؤال آخر أكثر تعقيدًا: إذا أصبحت المعرفة متاحة للجميع... فما الذي يبقى ملكًا للكاتب وحده؟
        ٠٢
        تجربة

        بين المعرفة والصوت

        صورة الكاتب Yamen Nasser
        Yamen Nasser لينكدإن

        كيف غيّرت أول محاولة لكتابة نشرة بريدية نظرتي إلى دور الذكاء الاصطناعي في الكتابة؟

        عندما بدأنا العمل على هذه النشرة، كنت أظن أن أصعب جزء قد انتهى.

        فأنا أستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي يوميًا، وكنت واثقًا أنها ستختصر عليّ الطريق إلى كتابة هذا المقال.

        وفعلًا، فعلت.

        خلال وقت قصير جمعت عشرات الدراسات والمقالات والمراجع، ورتبت الأفكار، وبنيت تصورًا واضحًا للموضوع. وما كان يحتاج أيامًا من البحث، أصبح يحتاج ساعات قليلة فقط. وهذا ما تشير إليه أيضًا دراسة مشتركة أجرتها Microsoft وLinkedIn، والتي أظهرت أن الاستخدام الأكثر شيوعًا للذكاء الاصطناعي في بيئات العمل يتمثل في البحث، وتلخيص المعلومات، وتنظيم المعرفة.

        حتى تلك اللحظة، بدا كل شيء يسير كما توقعت.

        ثم بدأت الكتابة.

        وهنا اكتشفت أن المشكلة لم تكن في الوصول إلى المعرفة...

        بل في معرفة ما أريد أنا أن أقوله.

        طلبت من الأداة أن تكتب المقال.

        كان النص جيدًا.

        بل جيدًا جدًا.

        منظم، ومتوازن، وخالٍ من الأخطاء.

        لكنني لم أستطع أن أتعرف إلى نفسي بين سطوره.

        كانت الجمل صحيحة...

        لكنها لا تحمل أي أثر لتجربتي، ولا للأسئلة التي دفعتني أصلًا إلى كتابة هذا المقال.

        حينها أدركت أنني كنت أطلب من الذكاء الاصطناعي أن يقوم بالمهمة الوحيدة التي لا يستطيع القيام بها.

        أن يكون أنا.

        يمكنه أن يجمع المعرفة، وأن يقارن بين المصادر، وأن يقترح أفضل بنية ممكنة للنص.

        لكنه لا يعرف لماذا اخترت هذه الفكرة دون غيرها.

        ولا أي تجربة غيّرت قناعتي.

        ولا أي جملة أستطيع الدفاع عنها لأنها تعبّر عن شيء عشته فعلًا.

        ومن هنا تغيّرت نظرتي إليه.

        لم أعد أراه كاتبًا بديلًا.

        بل شريكًا أفضل.

        شريكًا يختصر الوقت الذي أقضيه في البحث، ويمنحني مساحة أكبر للتفكير.

        وهذا تحديدًا ما تؤكده McKinsey في دراساتها حول الذكاء الاصطناعي؛ فالقيمة الحقيقية لا تتحقق عندما يحل محل الإنسان، بل عندما يحرره من الأعمال المتكررة ليمنحه وقتًا أكبر للتحليل، والإبداع، واتخاذ القرار.

        خرجت من هذه التجربة بقناعة لم أكن أتوقعها.

        في المستقبل، سأستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر، لا أقل.

        لكنني سأعتمد عليه في الأشياء التي يجيدها...

        حتى أتفرغ للأشياء التي لا يستطيع أن يقوم بها نيابةً عني.

        تكوين الرأي.

        بناء القناعة.

        واكتشاف الصوت.

        فالكتابة ليست نقلًا للمعلومات، ولا إعادة ترتيب للجمل.

        ولهذا قد تصبح المعرفة متاحة للجميع.

        وقد تصبح الأدوات متاحة للجميع.

        لكن سيبقى لكل إنسان صوته الذي لا يمكن نسخه.

        وربما لهذا لم يكن السؤال الحقيقي: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب؟ بل: كيف يمكن لمؤسسة كاملة أن تجد صوتًا واحدًا... دون أن تفقد أصوات أفرادها؟
        ٠٣
        خلف الكواليس

        لماذا اخترنا أن تكتب المؤسسة بصوت واحد... لا بقلم واحد؟

        صورة الكاتبة Boushra Hourani
        Boushra Hourani لينكدإن

        في أحد الاجتماعات الأولى التي خُصصت للتخطيط لهذه النشرة، بدا القرار محسومًا.

        سيكتبها شخص واحد.

        كان ذلك الحل الأكثر منطقية. كاتب واحد يعني أسلوبًا واحدًا، وصوتًا واحدًا، ومسؤولية واضحة، وعملية تحرير أبسط بكثير.

        لكننا كلما ناقشنا الفكرة، اكتشفنا أننا كنا نبحث عن أسهل طريقة لإصدار النشرة، لا عن أفضل طريقة لتمثيل المؤسسة.

        وهنا تغيّر السؤال.

        لم نعد نسأل:

        من سيكتب؟

        بل أصبح السؤال:

        من يجب أن يتحدث؟

        وكانت الإجابة مختلفة تمامًا.

        إذا كانت هذه النشرة تمثل PR Lines، فليس من المنطقي أن تختصر خبرة مؤسسة كاملة في قلم شخص واحد، مهما بلغت خبرته.

        فالمؤسسات لا تتعلم بالطريقة التي يتعلم بها الأفراد.

        كل مشروع يضيف درسًا.

        وكل اجتماع يفتح زاوية جديدة.

        وكل تجربة ناجحة، أو حتى متعثرة، تترك معرفة لا يمتلكها شخص واحد، بل تتوزع بين فريق كامل.

        ولهذا اخترنا أن تكون هذه النشرة ثمرة عمل جماعي.

        قد يكتب أحدنا عن تجربة مع عميل.

        ويشارك آخر فكرة وُلدت في اجتماع.

        ويحلل ثالث خطأً غيّر طريقة عمله.

        وقد تختلف الأساليب، لكن ما يجمعها هو أنها خرجت من التجربة نفسها، ومن الرغبة في تحويل المعرفة اليومية إلى قيمة يمكن أن يستفيد منها الآخرون.

        وليس هذا مجرد انطباع.

        فقد أظهرت دراسات Gallup أن المؤسسات التي تتبنى ثقافة مشاركة المعرفة تحقق مستويات أعلى من التفاعل والانتماء بين فرقها، بينما تشير Deloitte إلى أن المؤسسات الأكثر قدرة على التعلم ليست تلك التي تضم أفضل الخبراء، بل تلك التي تنجح في تحويل الخبرة الفردية إلى معرفة مؤسسية قابلة للنمو والاستمرار.

        بالنسبة لنا، لم يكن هذا قرارًا تنظيميًا.

        كان قرارًا يتعلق بهوية النشرة نفسها.

        فنحن لا نريد أن يرتبط القارئ باسم كاتب بعينه، ثم تنتهي العلاقة بغيابه.

        بل نريد أن يثق بطريقة التفكير التي تمثلها PR Lines.

        لهذا سيجد في كل عدد أصواتًا مختلفة، لكنها تتحرك في الاتجاه نفسه.

        لا لأننا نبحث عن التشابه، بل لأننا نتفق على المبادئ التي تسبق الأسلوب.

        أن نحترم عقل القارئ.

        أن نكتب من واقع التجربة.

        وأن تكون لكل فكرة قيمة حقيقية، لا مجرد حضور على الصفحة.

        وهذا لا يعني أن العمل الجماعي أسهل.

        بل على العكس. هو أكثر تعقيدًا.

        لأنه يتطلب تحريرًا دقيقًا، وحوارًا مستمرًا، وقدرًا كبيرًا من الثقة بين أعضاء الفريق.

        لكننا نؤمن أن النتيجة تستحق هذا الجهد.

        فالمؤسسات، مثل الأفكار الجيدة، تصبح أكثر قوة عندما لا تعتمد على شخص واحد.

        ويبقى سؤال واحد يرافقنا بعد ذلك كله: إذا كان الإنسان هو من يصنع الفكرة... فهل تبقى التقنية هي العامل الذي يصنع الفارق؟
        ٠٤
        التقنية والإنسان

        كلما أصبحت التقنية أسهل... أصبح الإنسان أهم

        صورة الكاتبة Hanan Alradwan
        Hanan Alradwan لينكدإن

        في بداية العمل على هذه النشرة، اعتقدنا أن أصعب قرار سنواجهه سيكون اختيار الأداة المناسبة.

        قارنّا المنصات.

        ناقشنا البدائل.

        واختبرنا الحلول.

        وقضينا وقتًا طويلًا في مقارنة المزايا التقنية لكل خيار.

        لكن بعد عدة اجتماعات، اكتشفنا أننا كنا نجيب عن السؤال الخطأ.

        لم تكن المشكلة في التقنية.

        ولم تكن التقنية أصلًا هي ما سيحدد نجاح هذه النشرة أو فشلها.

        فاليوم، يستطيع أي فريق تقريبًا أن يطلق موقعًا، أو يدير نشرة بريدية، أو يستخدم أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج المحتوى. وما كان يتطلب قبل سنوات ميزانية كبيرة وفريقًا متخصصًا، أصبح متاحًا للجميع تقريبًا.

        ولهذا السبب تحديدًا، لم تعد التقنية ميزة تنافسية.

        فعندما تصبح الأداة متاحة للجميع، تتوقف عن أن تكون مصدرًا للتفوق.

        وتنتقل المنافسة إلى مكان آخر.

        هذا ما تشير إليه تقارير Gartner عند حديثها عن تسارع تبني التقنيات الجديدة، وهو ما تؤكده أيضًا مقالات Harvard Business Review التي ترى أن القيمة الحقيقية لم تعد في امتلاك الأداة، بل في جودة القرارات التي تُتخذ باستخدامها.

        حين أدركنا ذلك، تغيّر المشروع كله.

        بدلًا من أن نقضي وقتنا في البحث عن الأداة المثالية، بدأنا نسأل سؤالًا مختلفًا:

        ما الفكرة التي تستحق أن تُقال؟

        ومنذ تلك اللحظة، تغيّر ترتيب الأولويات.

        لم نعد نستثمر معظم وقتنا في مقارنة المنصات، بل في مراجعة أفكارنا.

        لم نعد نسأل أي أداة سنستخدم، بل أي تجربة تستحق أن نشاركها.

        ولم نعد نبحث عن التقنية الأكثر تعقيدًا، بل عن الفكرة الأكثر صدقًا.

        وهذا لا يعني أن التقنية فقدت أهميتها.

        على العكس. نحن نستخدمها كل يوم.

        في البحث.

        وفي التنظيم.

        وفي تلخيص المعلومات.

        وفي تسريع الأعمال المتكررة.

        لكننا ننظر إليها بالطريقة التي نعتقد أنها الأنسب:

        وسيلة تمنحنا وقتًا أكبر للتفكير. لا غاية تستحق أن نستهلك وقتنا فيها.

        ولهذا لا نرى الذكاء الاصطناعي منافسًا للإنسان.

        بل نراه فرصة ليصبح الإنسان أكثر إنسانية.

        أن يقضي وقتًا أقل في الأعمال التي يمكن أتمتتها، ووقتًا أطول في بناء الرأي، وربط الأفكار، وتحويل التجربة إلى معرفة.

        لأن الجميع يستطيع الوصول إلى الأدوات نفسها.

        لكن لا أحد يستطيع أن يعيش التجربة نفسها.

        ولا أحد يستطيع أن يرى العالم بالطريقة نفسها.

        ولا أحد يستطيع أن يبني الفكرة نفسها.

        ولهذا جاءت فلسفة أثر.

        لن نحاول أن نُبهرك بعدد الأدوات التي نستخدمها.

        ولن نقيس نجاحنا بعدد المنصات التي نتقنها.

        إذا خرجت من كل عدد بفكرة بقيت معك بعد أن تغلق الصفحة، أو بتجربة اختصرت عليك طريقًا، أو بسؤال غيّر طريقة نظرك إلى عملك...

        فهذا هو النجاح الذي نبحث عنه.

        لكن يبقى سؤال أخير: إذا كانت الفكرة هي البداية، والإنسان هو من يصنعها... فلمن نكتب كل هذا؟
        ٠٥
        اتصال

        الخطأ الذي ارتكبته حين سمّيت القارئ جمهورًا

        صورة الكاتب Omar Alhalabi
        Omar Alhalabi لينكدإن

        بدأت كتابة هذا المقال بسؤال بدا مألوفًا بالنسبة لي:

        من هو جمهور هذه النشرة؟

        كان سؤالًا طبيعيًا. فمن يعمل في التسويق يعتاد أن يبدأ من هناك: من الاهتمامات، والسلوك، ومعدلات فتح الرسائل، ونسب التفاعل، وكل ما يساعد على فهم من يقرأ.

        لكن كلما حاولت أن أضع هذا القارئ داخل تعريف واضح، شعرت أن شيئًا ما يفلت مني.

        كلمة "جمهور" بدت واسعة أكثر مما ينبغي.

        وباردة أكثر مما أحب.

        كأنها تنقل الإنسان من مكانه الطبيعي إلى خانة في تقرير، أو رقم بجانب معدل فتح الرسائل، أو شريحة نحللها من بعيد.

        ثم انتبهت إلى الحقيقة الأبسط.

        خلف كل رسالة بريدية يوجد شخص واحد.

        وفي لحظة واحدة، يقرر أن يمنحك جزءًا من يومه.

        ومن تلك اللحظة، تغيّر السؤال كله.

        لم أعد أفكر في "الجمهور"، بل في الإنسان الذي يقرأ.

        ذلك الذي قد يفتح الرسالة بين اجتماعين، أو مع أول فنجان قهوة، أو لأنه وجد في عنوانها سؤالًا يشبه سؤالًا كان يدور في ذهنه منذ أيام.

        وربما لهذا أحب النشرات البريدية.

        فهي لا تصل إلى شاشة.

        بل إلى لحظة.

        ولأنها تصل إلى تلك اللحظة، فإنها تحمل مسؤولية مختلفة.

        فانتباه القارئ ليس موردًا مجانيًا، بل هو أحد أثمن الأشياء التي يمنحها لإنسان آخر.

        ولهذا لا أستطيع أن أراه مجرد قائمة بريدية، أو معدل فتح، أو نسبة نقر.

        فهذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تحكي القصة كاملة.

        إنسان يبحث عن فكرة، أو إجابة، أو تجربة تختصر عليه طريقًا.

        ولعل هذا ما يفسر استمرار ارتفاع الثقة في المؤسسات التي تقدم معرفة حقيقية وتحترم عقل المتلقي، كما تُظهر نتائج Edelman Trust Barometer عامًا بعد عام.

        وهنا تبدأ العلاقة الحقيقية.

        النشرة الجيدة لا تدخل البريد كإعلان يرتدي ثوب مقال.

        بل كرسالة تعرف أنها ضيفة على وقت القارئ.

        لا ترفع صوتها.

        ولا تستعرض نفسها.

        ولا تطلب الانتباه بالقوة.

        بل تقول بهدوء:

        ربما تجد في هذه السطور ما ينفعك.

        وهذا فرق يصنع كل شيء.

        لأن القارئ لا يفتح النشرة ليقرأ أخبارنا.

        يفتحها لأنه يبحث عن معنى يضيف شيئًا إلى يومه.

        أو فكرة تساعده على اتخاذ قرار أفضل.

        أو تجربة تجعله يرى ما لم يكن يراه من قبل.

        ولهذا لا تُبنى النشرات الجيدة على مهارة الكتابة وحدها.

        بل تُبنى على الأدب.

        أدب الدخول إلى وقت القارئ.

        وأدب اختيار الفكرة.

        وأدب أن نقول ما يستحق أن يُقال، لا كل ما نستطيع قوله.

        وقد وجدت Nielsen أن الناس يتفاعلون بدرجة أكبر مع الرسائل التي يشعرون أنها تحترمهم وتقدم لهم قيمة حقيقية، مقارنة بتلك التي تتعامل معهم بوصفهم أهدافًا تسويقية.

        وربما لهذا تبقى بعض النشرات معنا سنوات.

        ليست لأنها الأكثر تصميمًا.

        ولا لأنها الأعلى صوتًا.

        ولا لأنها الأكثر انتشارًا.

        بل لأنها تجعلنا نشعر أن من كتبها كان يتذكر دائمًا أن خلف كل عنوان بريد إلكتروني...

        إنسانًا. لا جمهورًا.

        وعندما بدأنا هذه النشرة، كان أول سؤال طرحناه:

        ماذا يستحق أن نكتب؟

        واليوم، بعد أن وصلت إلى نهاية هذا العدد، أظن أن السؤال الأهم كان شيئًا آخر.

        لمن نكتب؟

        فإذا نسينا الإنسان الذي يقرأ...

        فلن تنقذنا أفضل الأفكار.

        ولا أفضل الأدوات.

        ولا أكبر جمهور.

        أما إذا تذكرناه منذ البداية...

        فربما نستحق أن نقرأ مرةً أخرى.

        إلى العدد القادم

        حين بدأنا العمل على هذا العدد، لم يكن هدفنا أن نطلق نشرة بريدية جديدة. كان هدفنا أن نبدأ حوارًا.

        ولهذا لم نكتب هذه الصفحات لنقدّم إجابات نهائية، بل لنشارك الأسئلة التي غيّرت طريقة تفكيرنا، والتجارب التي غيّرت طريقة عملنا، والأفكار التي ما زالت تدفعنا إلى التعلّم.

        في هذا العدد بدأنا من سؤال بسيط: لماذا بدأنا من هنا؟

        ومن هذا السؤال تفرعت أسئلة أخرى: لماذا نؤجل مشاركة المعرفة؟ هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب بدلًا منا؟ كيف تتحول خبرات الأفراد إلى معرفة مؤسسية؟ أين تصبح الميزة التنافسية عندما يمتلك الجميع الأدوات نفسها؟ ولمن نكتب في النهاية؟

        قد لا تكون هذه أهم الأسئلة في عالم الاتصال، لكنها كانت أهم الأسئلة بالنسبة لنا في هذه المرحلة، ولذلك كانت البداية بها.

        أما الأعداد القادمة، فلن تكون امتدادًا لهذا العدد بقدر ما ستكون امتدادًا لهذا الحوار. سنكتب عن العلاقات العامة، وبناء السمعة، والقيادة الفكرية، والاتصال المؤسسي، وصناعة المحتوى، والتحول الرقمي، وكل فكرة نعتقد أنها تساعد المؤسسات على التواصل بوضوح، والتأثير بعمق، واتخاذ قرارات أفضل.

        لكننا نأمل أن يبقى شيء واحد ثابتًا: ألا نكتب لأن لدينا مساحة فارغة يجب أن تُملأ، بل لأن لدينا فكرة تستحق أن تُقال.

        ولهذا، إذا وجدت في هذا العدد فكرة أضافت إلى تجربتك، أو سؤالًا يستحق أن يستمر معك بعد أن تطوي هذه الصفحات، فقد حققت أثر غايتها الأولى.

        أما إذا وجدت فكرة ترى أنها تستحق أن نناقشها في عدد قادم، أو تجربة تعتقد أنها قد تضيف إلى هذا الحوار، فسيسعدنا أن نسمعها. لأن أفضل النشرات لا تُكتب داخل المؤسسات وحدها... بل تُكتب أيضًا مع قرائها.

        شكرًا لأنك منحتنا وقتك.

        ونأمل أن نلتقي في العدد القادم... بفكرة جديدة، وسؤال جديد، وأثرٍ جديد.

        Armor event images